مصطفى لبيب عبد الغني
20
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
فإنما تدل على أن هذه المسألة كانت ملحة إذا ذاك ، وعلى أنه كانت ثمت خشية متجددة من أن يتهم النشاط العقلي الحر بخروجه على تعاليم الدين ، خاصة من متزمتى الفقهاء أو من غيرهم على اختلاف مقاصدهم في هذا الاتهام . ومما له أبلغ الدلالة هنا أن الرازي تبلغ به الجرأة إلى حد اعتبار هذه المشكلة مشكلة زائفة وغير ذات موضوع . ونحن نحرص أشد الحرص على إظهار حقيقة هامة : تلك هي التفرقة الضرورية بين أن تسود البيئات الاسلامية محاولة التوفيق بين العقل والنقل - وهي مسألة فرضتها على الثقافة الإسلامية في زمن معين ظروف خاصة لعلّ أهمها أن هذه الثقافة انطلقت أول ما انطلقت في تشربها بعناصر أجنبية من « علوم الأوائل » - وبين ما ظهر قديما ولا يزال يروّج له الكثيرون حتى في أيامنا هذه على نحو عجيب ، من المبادرة إلى التوفيق بين العلم كنسق من الحقائق وبين العقيدة كنسق علمي ونظام من الحقائق الواقعية كذلك بغية الوصول إلى تقرير أن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف متفقان مع نتائج العلم الحديث على توالى الأزمان ، يظنون أنهم يثبتون بذلك للوحي قداسته وكأن هذه القداسة موضع نظر وكأن العلم الحديث نسق محدّد من الحقائق لا تبديل لها وليس جهدا إنسانيا صبغته الجوهرية الاحتمال المرجّح الحدوث لا اليقين المحتوم ، وسمته المنهجية تكرار المحاولة والخطأ اقترابا من صواب قد يصبح بدوره خطأ فيما بعد أو قصورا في نسق علمي أخر أكثر تصورا وأرحب مجالا ، وفات هؤلاء المجتهدين وإن أخلصوا النيّة أن الخطورة تكمن في تأويل نصوص العقدة تأويلا علميا مجملا حينا أو مفصّلا حينا آخر وأن إدراك ما ورد في القرآن من أمثلة - قد يراها البعض حقائق وبراهين - لا يجب أن يتعدى اعتبارها على سبيل التذكرة والحث على التفكير في ملكوت الله ، من غير أن تكون إثباتا لرأى بعينه أو تفنيدا لآخر . وعلى ذلك يجب أن يتم تناولنا للجهود العلمية عند أبي بكر الرازي في إطارها الحضارى المحدّد وبعد استلهام متضمنات الوحي وما يقدمه على الدوام